انتقل إلى المحتوى

Forgotten Heroes العصر الحديث

البطل المجهول

هذا البورتريه لم يُكتب بعد

البطل المجهول

سنوات الحياة
غير معروف
الأصل
غير معروف
التخصص
غير معروف

بورتريه بلا اسم، وبلا سنة ميلاد، وبلا سيرة ذاتية.

نعرف الكثير عن أبطال هذه السلسلة. نعرف خيمة رُفَيدة بجوار مسجد النبي ﷺ. نعرف الآلات التي رسمها الزهراوي، والسطور التي كتبها ابن القيّم عن طبّ القلوب. نعرف كيف عاشوا، وماذا تركوا خلفهم، ولماذا تلمع أسماؤهم إلى اليوم.

أما بطل هذا البورتريه فلا نكاد نستطيع أن نكتب عنه شيئاً. لا نعرف سنة مولده. لا نعرف أيعمل في مستشفى أم في عيادة أم في دار رعاية أم في قاعة محاضرات. بل لا نعرف حتى أهو رجل أم امرأة.

لا لأن قصته نُسيت، بل لأنها ما زالت تُكتب. كل يوم من جديد.

ولا نكتبها نحن، بل تكتبها أنت بنفسك.

أفعالك هي التي تكتبها. حركات يديك، وكلماتك عند سرير المريض، وأفكارك، ونيّاتك، وتصوّراتك. لا يحتاج الأمر إلى مؤرّخ يسجّله، فهناك تسجيل أدقّ من كل أرشيف: «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَاماً كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ».1

وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَامًا كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

سورة الانفطار (82:10-12)

الذكر الحسن لا يُصطنع

بماذا ستُذكر؟ للعالم جواب سريع: بالظهور. الألقاب، والمتابعون، والمناصب، والجوائز. غير أن الذكر الحقيقي لا يُصنع، بل يُوهب.

يخبرنا النبي ﷺ:

إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ

Ṣaḥīḥ al-Bukhārī 3209 · Ṣaḥīḥ Muslim 26372

الوجاهة يمكن شراؤها. أما القبول في قلوب الناس فلا يضعه إلا الله. وهو لا يبدأ من خطة تسويقية، بل يبدأ في السماء.

ما الذي يبقى

وماذا بعد أن تُؤدَّى آخر خدمة؟

إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ

Ṣaḥīḥ Muslim 16313

ليس في هذه القائمة لقب رئيس قسم. ولا رقم فاتورة، ولا نجمة في سلّم المناصب. فيها ما تتركه في الناس: الزملاء الذين طبعتَ فيهم أثراً، لا في المهنة وحدها بل في الأخلاق والسلوك. والمرضى الذين وقفتَ إلى جانبهم حين لم يقف أحد. والعلم النافع الذي يمضي بك ومنك، من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل. والمؤسسة التي تشارك في بنائها. والإنسان الذي يهتدي بك إلى طريق ربّه من جديد. كل ذلك يواصل الكتابة في بورتريهك بعد أن تكون يداك قد سكنتا منذ زمن.

السؤال الموجّه إليك

أتحبّ أن تُذكر بأنك الطبيب الأكثر كسباً، أم بأنك الذي عالج بتقوى ورهافة حسّ؟

أن تُذكري بأنكِ الممرّضة صاحبة أكثر المناوبات، أم بأنكِ التي وجدت مكاناً في قلوب الناس؟

أن تُذكر بأنك الأخصائي النفسي صاحب أكثر العيادات ازدحاماً، أم بأنك الذي أصغى حقاً وأعان من قلبه؟

قال النبي ﷺ:

خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ

aṭ-Ṭabarānī, al-Muʿǧam al-Awsaṭ · Ṣaḥīḥ al-Ǧāmiʿ 32894

وقال:

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ

Abū Yaʿlā, Musnad · Ṣaḥīḥ al-Ǧāmiʿ 18805

النفع والإتقان: هذا هو الميزان. لكن لا للدنيا وحدها.

فلا يكفي أن يكون المرء صاحب مهنة صحية جيّدة. إن بطل هذه السلسلة يداوي في ضوء هدي الشريعة، ويتفقّد نيّته قبل أن يلبس المعطف الأبيض، ويعلم أنه سبب ووسيلة، وأن الشافي هو الله. يقف مع الناس الذين اؤتمن عليهم، ويقف مع دينه، بثقة هادئة، من غير أن يختبئ.

وهو لا يضيع في تيّارات عصرنا. لا في عالم يقول: فكّر في نفسك أولاً. ولا في نظام يحوّل المريض إلى رقم والخدمة إلى تجارة. إنه يعرف هذه التيّارات، لكنها لا تجرفه. فبوصلته ليست معلّقة في مكتب الإدارة، بل يحملها في قلبه.

سطرك أنت

كل بطل في هذه السلسلة يحمل سطراً تحت اسمه: «أول ممرّضة في الإسلام»، «خدمة اليد»، «الطبّ عبادة».

أما سطرك فلم يُكتب بعد. لكن العمل فيه جارٍ، في هذه اللحظة، مع كل قرار تتخذه.

فأيّ سطر تريده أن يكون؟

اللهم اجعلنا ممن ينفع علمهم، وتخدم أيديهم، وتكون قلوبهم عندك. آمين.

هذه السلسلة جزء من HAKIM Forgotten Heroes. يسعدنا تلقّي ملاحظاتكم واقتراحاتكم: إلى استمارة الملاحظات

ما الذي يعلّمنا إياه هذا

البورتريه الذي تكتبه أنت

اثنا عشر بورتريهاً في هذه السلسلة تنظر إلى الوراء، وهذا البورتريه ينظر إلينا. الذكر الحسن لا ينشأ من الظهور، بل من الخدمة: من النيّة والإتقان والنفع الذي يقبله الله ويبقى أثره في الناس. وهذا يعني لنا في HAKIM: كل حركة يد عند سرير المريض تكتب في سيرة تُسجَّل بدقّة تفوق كل أرشيف.

المراجع

  1. القرآن الكريم، سورة الانفطار 82:10-12: quran.com/82/10-12
  2. رواية أبي هريرة في محبّة الله للعبد، ونداء جبريل وأهل السماء، ثم وضع القبول في الأرض. صحيح البخاري 3209: sunnah.com/bukhari:3209؛ صحيح مسلم 2637: sunnah.com/muslim:2637
  3. رواية أبي هريرة في الأعمال الثلاثة الباقية (الصدقة الجارية، والعلم المنتفع به، والولد الصالح). صحيح مسلم 1631: sunnah.com/muslim:1631
  4. «خير الناس أنفعهم للناس». الطبراني، المعجم الأوسط؛ حسّنه الألباني، صحيح الجامع 3289. عن جامع الحديث: الطبراني (ويكيبيديا)
  5. «إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه». أبو يعلى، المسند؛ والبيهقي، شعب الإيمان؛ حسّنه الألباني، صحيح الجامع 1880. عن جامع الحديث: أبو يعلى الموصلي (ويكيبيديا، بالعربية)
مشاركة: