من أراد اليوم أن يعمل طبيبةً أو طبيباً احتاج إلى ترخيص بمزاولة المهنة. ومن أراد أن يُجري العمليات احتاج إلى امتحان الاختصاص. وليست هذه الفكرة جديدة. ففي مستشفيات العالم الإسلامي لم يكن يحقّ لكل أحد أن يمدّ يده إلى المِبضع. كان رئيس كل صنعة يمتحن المتقدّم ليرى أيُحسن صنعته، ثم يكتب له إذناً: إجازة.[1]
وقد بقيت لنا وثيقة من هذا النوع. كتبها سنة 1602 علي بن محمد، رئيس الجرّاحين في دار الشفاء المنصوري بالقاهرة. وكان السلطان قلاوون قد أمر ببناء هذا المستشفى سنة 1284.[2] وبعد أكثر من ثلاثة قرون كان لا يزال موضعاً يُداوى فيه المرضى ويُمتحن فيه الجرّاحون.
أما المُمتحَن فهو شمس الدين محمد، المعروف بالقيّم. وكان قد نظم كتاباً تعليمياً في الفصد والحجامة شعراً ليسهل تعلّمه. والذي يميّز هذه الوثيقة لغتُها. فالكاتب هنا جرّاح، يتحدّث عن إيمانه بألفاظ صنعته. وهذا نصّها:[3]
بسم الله الرحمن الرحيم.
وبمُمسِك الأكوان أستعين. الحمد لله الذي وهب هذه الأمة الشفاء في الطب المحمدي. فداوى أمراض أفهامها بخبره الصادق، بعد أن كانت في سقم الباطل على شفا الهاوية. أحمده حمداً يقوى به الضعيف. وأشكره شكراً وافياً، عسى أن يكون لنا عند الحكيم الكريم خير دواء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. جعل الفصد والحجامة من أنفع العلاج للأبدان، إذ بهما تُسكَّن الحرارة الضارّة وفساد الأخلاط. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي قطع عِرق الشرك. والصلاة على آله وأصحابه السادة الأبرار. جمعوا بالعلم والبيان بين الحكمة وفصل الخطاب. وداووا زمن الجاهلية بحسن هديهم، فبرئ وسلم وطاب حاله.
أما بعد: فقد اطّلعتُ على هذه الرسالة الجليلة والكتاب الشريف. وعنوانه «شفاء الآلام في صناعة الفصد والحجامة». وهو منظومة لأذكى أهل زمانه وأنبه أهل عصره: شمس الدين محمد، المعروف بالقيّم، الجرّاح صنعةً وحِذقاً.
وأصله من وضع الشيخ الفاضل شمس الدين محمد الشربيني الجرّاح، جامع الفضائل كلها. سقى الله قبره غيث الرحمة والرضوان غدوةً وعشيّاً، وفاح من مضجعه عَرف النرجس والريحان. وعنوان كتابه «الغاية القصوى فيما يجب على الفاصد والمفصود»، إذ هو في هذه الصناعة غاية الغايات.
وقد قرأ المؤلف هذا الكتاب عليه قراءة تحقيق وتدقيق، وأوضح ما أشكل من ألفاظه ومعانيه. فلم يرَ سبيلاً غير أن ينظمه شعراً، ليسهل حفظ هذه الفوائد وتعلّم هذه القواعد. فجاء كتاباً أبهى من نور الأنهار وأسطع من نور الأسمار، كالذهب المسبوك أو الغيث المنهمر.
وقد أجاد الناظم في تمحيص المادة، وبذل جهداً كبيراً في التحرير والتدقيق. فأحكم رصف الألفاظ، وغاص في أعماق المعاني. واستخرج الدرّة الثمينة من الأصل، وجمع المتفرّق إلى المتّصل، حتى تجلّى الكتاب في معانيه كالعروس.
فصار في هذه الصناعة هو الكتاب المعتمد، ويُقرّ العارف بأنه دليل ومرشد. وإلى جانبه طُويت «التذكرة» في النسيان، ولم يبقَ لهذا الفن كتاب تعليمي آخر يُمدح. وأمامه أحجم كل عالم حاذق، وتشهد تواريخ الأطباء بأنه يؤدّي ما في «القانون» لابن سينا.
ولما ظهرت ثمرة هذا الانتقاء في السؤال والجواب، عُدّ الكتاب على الأصابع أفضلَ الكتب. فقد اغترف مؤلفه من أصفى اللباب. وإن كان ابن الأكفاني قد صنّف هو أيضاً رسالة في ذلك، فشتّان ما بين رسالته ورسالة محمد! فهذا الكتاب يصيب لبّ المطلوب، ويضبط ما يجب على الفاصد والمفصود. ولذلك استحقّ مُبدع نمطه وناسج بُرده أن يُتوَّج بتاج الإجازة.
فاستخرت الله تعالى، وأجزت له أن يتعاطى من صناعة الجراح ما أتقن معرفته، ليكون له التوفيق والنجاح. فله أن يداوي الجراحات التي تبرأ بالشقّ، وأن يُخرج نصال السهام والرماح الظاهرة من غير شقّ. وله أن يفصد ويقطع الشرايين، وأن يقلع الأسنان المسوّسة والفاسدة، وأن يضمّ الجراحات المنفتحة بالخيط وغيره، وأن يختن الصبيان.
وكل ذلك بشرط أن يواظب على مشاورة الرؤساء المجرّبين في هذا الفن والأساتذة العارفين وعلى خدمتهم، مع تقوى الله والنصح في الصناعة. فحينئذ لا يخشى أن تكسد صنعته.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا وإياه لصالح الأعمال، في كل حال ومآل. اللهم إني أسألك من فضلك العظيم مغفرة ذنوبنا وعافية أبداننا. لا إله إلا أنت، ولا يُرجى إلا خيرك، يا ربّ العالمين.
كتبه بقلمه أحقر عباد الفتّاح، الفقير إلى الحقّ: علي بن محمد بن محمد بن علي الجرّاح، خادم الفقراء الضعفاء في دار الشفاء بمصر المحروسة. كتبه مصلّياً ومسلّماً، قائلاً «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ومستغفراً، في شهر صفر المبارك من سنة 1011 من هجرة النبي، عليه أفضل الصلاة والسلام. والحمد لله وحده.علي بن محمد، إجازة للقيّم، القاهرة 1602
جملتان تقوم عليهما هذه الوثيقة. الأولى: يجوز للقيّم أن يزاول «ما أتقن معرفته». وفي الأصل العربي جاء هنا «ما أتقن معرفته»، من الجذر نفسه الذي منه الإتقان. قال النبي ﷺ:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ
Abū Yaʿlā, Musnad · Ṣaḥīḥ al-Ǧāmiʿ 1880 4
فالإجازة تمتدّ بقدر ما تمتدّ المهارة، ولا تتجاوزها خطوة واحدة. والجملة الثانية هي الشرط: أن يواظب على مشاورة أساتذة صنعته، «مع تقوى الله والنصح في الصناعة». والكلمة الدالة على الإخلاص، النصح، نعرفها من الحديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ».[5] فلم تكن الخبرة وحدها كافية، ولا التقوى وحدها. وإنما كان اجتماعهما معاً هو الذي يصنع الجرّاح.
الترخيص المهني أمانة
ماذا نتعلّم من ذلك نحن أهل المهن الصحية؟ إن ترخيصنا بمزاولة المهنة أكثر من وثيقة. إنه أمانة. نعمل في حدود ما نُحسنه حقاً. ونواصل التعلّم ممن يعلمون أكثر منا. ونعالج كل مريض ونحن ندرك أن الله يرى ما نعمل. كان بوسع علي بن محمد أن يوقّع بوصفه أستاذاً كبيراً. فوقّع بوصفه «خادم الفقراء الضعفاء في دار الشفاء».
رحمهما الله تعالى، وجعلنا ممن يزاولون صنعتهم بالإتقان والتقوى.
هذه السلسلة جزء من HAKIM Forgotten Heroes. يسعدنا تلقّي ملاحظاتكم واقتراحاتكم: https://www.surveymonkey.com/r/T7SK5N7
الحواشي
- في امتحان الأطباء والجرّاحين وإجازتهم على يد رؤساء صنعتهم، مع عدد من الإجازات المحفوظة: أحمد عيسى بك، تاريخ البيمارستانات في الإسلام، طبعة هنداوي 2012، المقدمة، القسم الخاص بالإجازات: https://archive.org/details/ktp2019-bk2582 ↩
- تأسيس البيمارستان المنصوري على يد السلطان قلاوون سنة 683 هـ (1284 م)، عن القلقشندي، نقلاً عن أحمد عيسى بك، المصدر نفسه، الفصل الخاص بالبيمارستان المنصوري. ↩
- نص الإجازة: أحمد عيسى بك، المصدر نفسه، قسم «الإجازة الثانية»، ص 31 إلى 33. الترجمة الألمانية: HAKIM، مهذّبة لتيسير القراءة؛ وقد أُسقطت كلمة غير مقروءة في الأصل. والنص العربي أعلاه منقول عن هذه الترجمة الألمانية، وليس نصّ الأصل. مواضع مفتاحية من الأصل العربي: وأجزت له أن يتعاطى من صناعة الجراح ما أتقن معرفته مع تقوى الله والنصح في الصناعة ↩
- «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ». أبو يعلى، المسند؛ والبيهقي، شعب الإيمان؛ حسّنه الألباني، صحيح الجامع 1880. ↩
- «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». صحيح مسلم 55a، عن تميم الداري: https://sunnah.com/muslim:55a ↩

