كان في السابعة عشرة من عمره حين اجتاح الطاعون مدينة تونس وسلبه كل ما يعرفه تقريباً. ففي عامي 1348 و 1349 مات والداه وعدد من شيوخه بالموت الأسود. ومن يعايش في هذه السن المبكرة سرعة انهيار اليقينيات، لا يبقى له في الغالب سوى سؤال واحد يرافقه بقية عمره: ما الذي يصمد حقاً أمام الاختبار مما نحسبه صحيحاً، وما الذي ليس إلا عادة تتقمص صورة الحقيقة؟
وُلد ابن خلدون سنة 1332 في تونس لأسرة أندلسية الأصل، وتلقّى التعليم العلمي الكلاسيكي في عصره: القرآن والحديث والفقه المالكي وعلوم العربية. ثم قادته حياته بعد ذلك عبر أرجاء العالم الإسلامي، كاتباً ووزيراً في بلاطات فاس وغرناطة وتونس، ثم قاضياً للقضاة المالكية ست مرات في القاهرة، بتعيين من السلطان برقوق. وفي سنة 1401 تدلّى بالحبال من سور دمشق ليفاوض الفاتح تيمورلنك، في واحدة من أبرز اللقاءات الدبلوماسية في العصر الوسيط.
غير أن عمله الحقيقي وُلد في أربع سنوات من الاعتزال. ففي سنة 1375 انقطع في قلعة ابن سلامة قرب فرندة ليكتب مقدمة تاريخه العالمي، وهي المقدمة. وجوهرها سؤال واحد جذري: بم يُعرف صدق الخبر التاريخي؟ وقد وضع ابن خلدون لذلك منهجاً في النقد لا يحكم على الخبر بمكانة راويه، بل بمدى موافقته لطبائع الأشياء ولقوانين العمران والمُلك. وبهذا نقل إلى التاريخ الدنيوي تلك الصرامة التي كان علماء الحديث قد طبّقوها منذ زمن على ما رُوي عن النبي ﷺ، أي فحص السند والمتن. وكان يكنّ لعلم الحديث احتراماً كبيراً، فقد وسّع منهجه ولم يستبدله. وقد وصف المؤرخ أرنولد توينبي المقدمة فيما بعد بأنها أعظم عمل من نوعه أبدعه عقل بشري في أي زمان وفي أي مكان.
وكان الطب عند ابن خلدون أوسع بكثير من تلك العبارة الواحدة التي يُستشهد بها عنه أحياناً اليوم. فقد أفرد في المقدمة للطب فصلاً خاصاً ضمن العلوم. وهو يعرّفه بأنه الصناعة التي تنظر في بدن الإنسان من جهة المرض والصحة، لحفظ الصحة وإبراء المرض بالدواء والغذاء، ويصف أدواته بالتفصيل: جسّ النبض، ومزاج المريض، وفحص البول، وطب العيون، ووظائف الأعضاء. ويذكر جالينوس بوصفه واضع هذه الصناعة الذي صارت كتبه أصلاً لها، ويضع في أثره الرازي وابن سينا والمجوسي والأندلسي ابن زهر. ثم يُنزل الطب في نظريته الخاصة في العمران: فهو صناعة من صنائع الحضر وأهل الترف الذين تنشأ أمراضهم من الرفاهية وكثرة الأغذية. أما أهل البدو فيستغنون عنه في الغالب بخشونة عيشهم وبساطته، ويعتمدون على ما تناقلوه من تجربة أشياخهم، وهي التي يسميها تجربة قاصرة، أي تجربة محدودة غير مبنية على قوانين طبيعية.
ثم طبّق ابن خلدون هذا المنهج النقدي نفسه على مسألة أدقّ: أيّ أقوال النبي ﷺ يدخل في الشرع الملزم، وأيّها لا يعكس إلا معارف جزيرة العرب وعاداتها في زمانه؟ وعن الطب الوارد في المرويات يكتب بوضوح لا لبس فيه: «الطب المذكور في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء». ويضيف أن النبي ﷺ إنما بُعث ليعلّم الشرائع، لا ليعلّم الطب ولا غيره من أمور الدنيا. ويستدل على ذلك بحديث أورده الإمام مسلم نفسه تحت هذا العنوان بعينه: فحين نهى النبي ﷺ الزرّاع عن تأبير نخلهم، أخفق المحصول، فقال إنهم أعلم بأمر دنياهم منه.
أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ
«أنتم أدرى بشؤون دنياكم.»
صحيح مسلم 2363، من رواية عائشة وأنس بن مالك
وليست هذه إذن تفرقة يفرضها ابن خلدون على السنة من خارجها، بل هي قائمة في كتاب الحديث نفسه، في عنوان باب يكاد يسبق صياغته حرفاً بحرف: وجوب امتثال ما قاله النبي ﷺ شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا. وهو مع ذلك لا يرد الأدوية المذكورة في القرآن رداً قاطعاً. بل يفسر أثرها في المريض أيضاً باليقين وبثقة المؤمن، لا بخاصية طبيعية في المادة وحدها.
ولا ينبغي أن تُفهم هذه العبارة على أنها تباعد عن النبي ﷺ. فقد كان ابن خلدون نفسه قاضياً يحكم بالشريعة كل يوم، ورجلاً يجلّ علم الحديث، وواحداً ممن عُني بالطب علماً عناية ظاهرة. ومقصده أضيق من ذلك وأجرأ في الوقت نفسه: ليس كل ما رُوي شرعاً ملزماً. فمنه ما هو أفضل ما تيسر من معرفة مكان وزمان، نفيس لكنه غير ملزم، ولا يأثم أحد إذا وُجد طب أفضل منه. وهذا التمييز الدقيق بعينه هو ما يحفظ جوهر الإيمان صافياً، ويترك للطب في الوقت ذاته مجالاً كي يتطور.
فنّ التمييز
هذا بالنسبة إلينا نحن الأطباء والطبيبات المسلمين أساس عملي يومي. فعند سرير المريض نلقى التوقعين معاً: القلق من أن يكون التشخيص الحديث منافساً للوحي، والميل إلى اعتبار المعرفة التجريبية المتوارثة شرعاً ملزماً. ويبيّن ابن خلدون أن السؤال نفسه موضوع على غير وجهه. فنحن مدينون لمرضانا ومريضاتنا بأفضل طب متاح، ومدينون للإيمان بألا نخلط بينه وبين مستوى المعرفة في قرن من القرون. وليس هذا تنسيباً للسنة. بل هو الدقة التي تطلبها هي نفسها منا.