قبل ألف عامٍ من اختراع كلمة «نفسجسدي»، كتب عالمٌ في بلخ جملةً لم يُعِد الطبُّ اكتشافها إلا في القرن الأخير: الإنسان مكوَّنٌ من بدنٍ ونفس، ولا تكتمل صحةٌ ما دام المرء يعالج أحدهما ويُهمل الأخرى.
كان أبو زيد البلخي، المتوفى سنة ٣٢٢ للهجرة، عالماً موسوعياً بأصدق معاني الكلمة. تتلمذ على الكِندي، وألّف نحو ستين مصنَّفاً في الجغرافيا والطب والفلسفة وعلم الكلام، لم يبقَ منها شيءٌ يُذكر تقريباً. غير أن كتابه «مصالح الأبدان والأنفس» نجا، وهو حدثٌ صغيرٌ مدهش. يتناول الجزء الأول البدن، ويتناول الجزء الثاني النفس.
وهنا يغدو البلخي رائداً. فهو يُسمّي العلل النفسية ويصنّفها قبل أن يفعل ذلك أيُّ أحدٍ سواه بزمنٍ طويل. ويُفرد فصولاً خاصةً للخوف والهلع، والغضب، والحزن والكآبة، والوساوس القهرية المُلِحّة التي يسمّيها الوسواس. ويوصي في مواجهة الخوف بتعريض المرء نفسَه للمخوف تدريجياً، وفي مواجهة الحزن بإعادة تشكيل الأفكار الباطنة. ويسمّي ذلك العلاج بالضد. وقد وصل علم النفس الحديث إلى الفكرة نفسها بعد ألف عامٍ وسمّاها الكفّ المتبادل.
من أين جاءته هذه المقولة التي افتقر إليها الطب اليوناني؟ من تصوّره للإنسان. فالإنسان عند البلخي بدنٌ وروح، كلاهما من الله، وكلاهما يحتاج إلى رعاية. والعلّة النفسية تحتاج إلى علاجٍ من جنسٍ خاص، علاجٍ يناسب النفس. وجملته الشهيرة تختصر ذلك خير اختصار.
«الدين أعظم الفلسفات، ولا يصير الإنسان فيلسوفاً حقاً حتى يصير عابداً.»
أبو زيد البلخي
نما علمه من الإيمان لا في مواجهته. لقد منحته النظرة الإسلامية إلى الإنسان الأداةَ التي تمكّن بها من إدراك النفس أصلاً بوصفها موضوعاً للطب.
النفس جزءٌ من الطب
هذا هو الدرس الذي نتعلّمه من جديدٍ الآن. فالخوف والحزن والوساوس القهرية ليست نقصاً في الإيمان يُستحى منه، بل حالاتٌ تُعالَج بالعلم وبالقرب من الله. والصحة النفسية ليست خارج طبّ الإسلام، بل في صميمه، وقد كتب ذلك مسلمٌ من بلخ منذ أكثر من ألف عام.