الرتبةُ ابتلاء
حين يتخرّج المرءُ بعد سنواتٍ من الدراسة، وليالٍ فوق الكتب، وأعوامٍ في المستشفيات، ويتولّى أوّلَ منصبٍ له، فليست تلك لحظةَ وصولٍ، بل هي بدايةُ امتحان.
يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:
وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ
Surah al-Anʿām 6:165 1
الرتبُ في الفكر الإسلامي ليست شرفًا فحسب؛ بل هي قبل كلّ شيء ابتلاء. فكلُّ عطيّةٍ، وكلُّ نعمةٍ، تأتي مصحوبةً بسؤالٍ يجب الإجابة عنه يوم القيامة. وقد صاغ النبيُّ ﷺ ذلك في حديثٍ رواه أبو برزة الأسلميّ عند الترمذيّ، بدقّةٍ تستوقف البصر والبصيرة:
لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ.
Jami` at-Tirmidhi 2417 2
ويؤكّد الله سبحانه وتعالى في سورة التكاثر:
ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ
Surah at-Takāthur 102:8 3
فالعلمُ نعمة، والصحّةُ نعمة، والبدنُ نعمة. ومهنةُ الطبّ تجمع النعمَ الثلاث في عطيّةٍ واحدة: العلمُ الذي زُوِّد به، والبدنُ الذي يخدمه، والصحّةُ التي يحرسها ويُعزّزها ويستعيدها.
وما ذلك بميراثٍ هيّن.

في التاريخ الإسلامي
ترك الإمامُ الشافعيّ (ت ٢٠٤ هـ)، أحدُ الأئمة الأربعة في الفقه، عبارتين عن الطبّ تُشكّلان معًا صورةً متكاملة. الأولى تشريف: «مَا أَعْلَمُ عِلْمًا بَعْدَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَنْبَلَ مِنَ الطِّبِّ».٤
والثانية عتابٌ لا يزال يلذع حتى اليوم: «قَدْ ضَيَّعَ الْمُسْلِمُونَ ثُلُثَ الْعِلْمِ وَفَوَّضُوهُ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى».٤
صدرت هذه العبارة في القرن التاسع الميلاديّ، وكأنّها كُتبت اليوم. وقد وضع الشافعيّ أيضًا الإطارَ الذي تُفهم ضمنه هذه المسؤوليّة: «الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبْدَانِ».٤
الفقهُ والطبّ. ركنان، لا تراتبَ بينهما ولا انفصال. ومن أهمل أحدَهما، فقد بنى على أساسٍ يحمل ولا يصمد.
وقد لخّص الإمامُ عليّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام واجبَ الطبيب في ثلاث كلماتٍ لا ينفكّ بعضُها عن بعض: «مَنْ تَطَبَّبَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَنْصَحْ وَلْيَجْتَهِدْ».٥
في الفقه الإسلامي: الالتزام الجماعي
أدرج الإمامُ الغزاليّ، حجّةُ الإسلام، في كتابه «إحياء علوم الدين»، الطبَّ ضمن الواجبات الجماعيّة للأمّة، صراحةً بوصفه فرضَ كفايةٍ.٦ والقولُ من وراء ذلك حادٌّ فقهيًّا: إذا افتقر المجتمعُ المسلم إلى العدد الكافي من الأطبّاء المؤهَّلين، حمل الإثمَ المجتمعُ كلُّه؛ لا مَن كان ينبغي أن يدرس فحسب، بل الجميع.
وصاغها شيخُ الإسلام ابنُ تيميّة من الجهة الأخرى: «المهنُ التي لا غنى للناس عنها، كالطبّ، تصير واجباتٍ شرعيّة».٧
كلمةُ تصير هي المفتاح. فالواجبُ ليس جامدًا، بل ينمو مع الحاجة. فحيث يحتاج المجتمعُ إلى الأطبّاء، ينشأ على القادر التزامٌ بسدّ تلك الحاجة.
ولم يُؤصِّل النبيُّ ﷺ ذلك نظريًّا فحسب، بل عاشه مؤسّسيًّا. فحين أُهديَ إليه طبيبٌ، لم يستأثر به، بل جعله في خدمة المسلمين جميعًا.٨
ومن أبرز الأمثلة رُفيدةُ الأسلميّة رضي الله عنها، أوّلُ ممرّضةٍ ومسعفةٍ في الإسلام. أقامت في المدينة أوّلَ مستشفى ميدانيّ في التاريخ الإسلامي بجوار المسجد النبويّ. وأمر النبيُّ ﷺ بنفسه أن يُنقل جميعُ الجرحى إلى خيمتها. وفي غزوة خيبر أَذِنَ لها بالخروج مع الجيش، وأسهم لها سهمًا كسهم المقاتل، اعترافًا صريحًا بأنّ الرعاية الطبيّة للمجتمع جهدٌ يعادل الجهدَ في ميدان المعركة.٩ وكونُ امرأةٍ هي من نالت هذا المقام ليس تفصيلًا تاريخيًّا، بل بيانٌ فقهيٌّ عن مكانة المرأة في قطاع الصحّة وفي المجتمع، لا يزال ينتظر اكتمالَ تحقّقه حتى اليوم.
وكان البيمارستان، أي المستشفى الإسلاميّ، الجوابَ المؤسّسيَّ لهذه القناعة على مستوى الأمّة. فالمستشفى المنصوريّ في القاهرة كان يعالج الجميع مجّانًا، مسلمين وغيرَ مسلمين، وكان في الوقت نفسه موضعًا للتعليم والبحث. ليس صدقةً، بل واجبًا اجتماعيًّا.١٠ ويُرجع الباحثُ عاصم إ. بادلا ذلك إلى المصطلح الفقهيّ: فحقوقُ العباد، مع فرض الكفاية، تُشكّلان الأساس الإسلاميّ لاعتبار الرعاية الصحّيّة من الدولة واجبًا لا خدمة.١١

أخلاقُ الطبيب تجاه المجتمع ونفسه
من هذا الأساس ينبع ميثاقٌ أخلاقيٌّ يتجاوز جدران العيادة بمراحل.
التكافلُ هو المبدأ الاجتماعيّ الذي يربط الطبيب بمجتمعه. وقد أثنى النبيُّ ﷺ على الأشعريّين، قبيلةٍ يمنيّةٍ من قوم الصحابيّ أبي موسى الأشعريّ، وعدّهم من أهله:
إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ
Ṣaḥīḥ al-Bukhārī 2486 and Ṣaḥīḥ Muslim 2500 (muttafaq ʿalayh), narrated by Abū Mūsā al-Ashʿarī 12
التكافلُ لا يعني أن يُضحّي الطبيبُ بنفسه، بل أن يرى ذاته جزءًا من جسدٍ أكبرَ يشاركه مسؤوليّةَ صحّته. فالطبيبُ الذي ينعزل في عيادته، ولا يشارك خبرته، ويتجنّب النقاشات المجتمعيّة حول الصحّة، إنّما يعمل ضدّ هذا المبدأ.
والإتقانُ عبادةٌ، وهو المطلب الثاني. قال النبيُّ ﷺ:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ
al-Bayhaqī, Shuʿab al-Īmān no. 4929; also Abū Yaʿlā (Musnad) and al-Ṭabarānī (al-Muʿjam al-Awsaṭ), narrated by ʿĀʾisha (r.a.) 13
الإتقانُ في الطبّ يعني: ألّا تتوقّف عن التعلّم إذا بلغتَ القدرَ الكافي، وألّا تركد لمجرّد أنّك لا تتراجع؛ بل أن تتقدّم سابقًا، ممّن يقول الله سبحانه وتعالى فيهم في سورة الواقعة:
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ
Surah al-Wāqiʿa 56:10–11 14
والنصيحةُ والقدوةُ تُكمِّلان الدائرة. فنصيحةُ الطبيب لا يجوز أن تقتصر على الجانب التقنيّ الطبّيّ؛ فهو الذي يرى الإنسان في ضعفه، ويطّلع على حيواتٍ مغلقةٍ دون غيره، فيحمل واجبَ الكلام حين يصمت الآخرون، والتحذير حين يُعرضون، وتهذيب خلقه؛ لا غايةً في ذاته، بل لأنّ الطبيب، شاء أم أبى، يؤدّي دورَ القدوة الذي يجب أن يكون أهلًا له.
الواقع اليوم: تفكّكُ وحدةٍ
ما نعيشه اليوم ليس في المقام الأوّل نقصًا في العلم؛ بل هو تفكّكُ رؤيةٍ للعالم.
ثمّة صورةٌ تُجسِّد ذلك تجسيدًا حيًّا. حين نصل صباحًا إلى العمل ونخلع ثيابَنا اليوميّة، كثيرًا ما نخلع معها شيئًا آخر. نرتدي المعطف الأبيض، فيدخل معنا فهمٌ آخر للذات: الضغط، وضيق الوقت، والتسليع، وعقليّةُ الأداء. فالمريضُ حالة، والتشخيصُ رمز، والعلاجُ إيراد. ما نخلعه مع ثيابنا في هذه الصورة الرمزيّة هو قيمُنا الإسلاميّة، وما نرتديه قيمٌ رأسماليّةٌ ترافقنا طوال يوم العمل.
ليس هذا فشلًا شخصيًّا، بل نتيجةُ رؤيةٍ للعالم فصلت خطأً بين مجالين متلازمين. ويصف الله سبحانه وتعالى الذين يقطعون هذه الوحدةَ في سورة البقرة بوضوحٍ لا هوادة فيه:
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
Surah al-Baqara 2:27 15
اللفظُ القرآنيّ يَقْطَعُونَ فعلُ قطعٍ فاعلٍ، لا افتراقٌ سلبيّ. فالفصلُ بين العلم والإيمان ليس تطوّرًا حتميًّا، بل قرارٌ اتُّخذ، وقرارٌ يمكن الرجوعُ عنه.
أمّا التقليدُ العلميّ الغربيّ فقد رفع هذه العمليّةَ الانفصاليّةَ إلى مرتبة المنهج. فما يُسمّى بـ«المَجالَين السيّدَين» (العلومُ الطبيعيّةُ هنا، والإيمانُ هناك) يُعدّ في الفكر الغربيّ إنجازًا من إنجازات التنوير. والطبيبُ الذي يحمل في داخله علمَ الطبيعة وتقوى الله معًا، يُعدّ في هذه الرؤية ذاتيًّا، متحيِّزًا دينيًّا، غيرَ علميّ. غير أنّ هذا الفصل ليس ضرورةً معرفيّة، بل قرارٌ فلسفيٌّ مسبَق، والإسلامُ لا يشاركه فيه.
الإسلامُ لا يعرف الفصلَ بين المادّة والروح بوصفه بنيةً أصليّةً للواقع. فالعلمُ تيّارٌ موحَّدٌ ينبع من التوحيد. ومن يُدرك نظامَ الخلق الإلهيَّ فيما يراه تحت المجهر، وعند سرير المريض، وفي كيمياء الحياة، ليس بأدنى علميّةً، بل هو أرقى.
وهذه الصورةُ بعينها هي التي يستحضرها ابنُ خلدون في مقدّمته من أعماق التاريخ، ردًّا صامتًا على الانشقاق الذي نشكوه اليوم: فأبرزُ أطبّاء القرنين الثاني عشر والثالث عشر في الشام والقاهرة كانوا في الوقت نفسه فقهاءَ ومدرّسين في المدارس، وعاملين في كبرى مساجد عصرهم.١٦ لم يكونوا تقنيّين في صومعةٍ مغلقة، ولا أشخاصًا منقسمين يرتدون المعطف صباحًا ويُعلّقون الإيمان على المشجب؛ بل كانوا حكماءَ يعيشون العلمَ والرؤيةَ الكونيّةَ كُلًّا لا يتجزّأ.
واستعادةُ هذا التركيب هي ما تصبو إليه «هاكيم». لا بوصفه مشروعًا حنينيًّا، بل ضرورةً حيّة.