انتقل إلى المحتوى

نهاية الحياة

كثيرًا ما يكون واقع المسلمين في ألمانيا حين تدنو آجالهم على هذا النحو: إقامة مطوّلة في المستشفى للعلاج، أو وفاة بين جدرانه. وفي أحيان كثيرة يستدعي الأمر علاجًا في وحدة العناية المركّزة، ممّا يُثقل كاهل المرضى وذويهم على حدٍّ سواء. فضلًا عن ذلك، يواجه المسلمون بصورة متزايدة أمراضًا يعدّها الطب المعاصر مستعصية على الشفاء، أو أمراضًا تُفضي إلى الوفاة في أمد منظور. هذا الظرف العاطفي العصيب يجلب معه تحدّيات إضافية تضع المسلمين في مأزق يتعلّق بدينهم؛ إذ تشمل التحدّيات أسئلة ضمير مرتبطة بالإسلام، وتكشف عن جهل المعنيّين بالحلول الشرعية للمعضلات الأخلاقية الطبّية.

لقد أفرز التقدّم الطبّي على مرّ العقود مشكلات أخلاقية لم تكن معروفة من قبل. فالطبّ الحديث يتيح إمكانات كالتنفّس الاصطناعي، وزراعة الأعضاء، والتلقيح الصناعي. كما تتوفّر مناهج علاجية متعدّدة للأمراض المستعصية تتّسم بالحدّة الشديدة. وفي المقابل يقف العلاج التلطيفي بوصفه نهجًا علاجيًّا شاملًا للمصابين بأمراض خطيرة، يرتكز على إرشاد المريض وأسرته ويتضمّن غالبًا تدابير لتخفيف الأعراض في المراحل الأخيرة من الحياة. يُضاف إلى ذلك اتّجاه متصاعد في الغرب نحو القتل الرحيم الفعّال، حيث يرغب مرضى ميؤوس من شفائهم في الموت لكنّهم عاجزون عن إنهاء حياتهم بأنفسهم، فيُطلب من الأطباء إحداث الوفاة دوائيًّا.

ثمّة تحدٍّ آخر يتمثّل في وقف التنفّس الاصطناعي عن مرضى مصابين بتلف دماغي بالغ. في ألمانيا يُرجع إمّا إلى وصية المريض المسبقة، أو يُستنبط ما يُفترض أنه إرادته. وفي كلتا الحالتين تبقى إرادة المريض هي الفيصل.

حين تُطرح هذه المسائل الحسّاسة يقف أغلب المسلمين حائرين لا يدرون كيف يُجيبون، يخشون أن يتّخذوا قرارًا خاطئًا فيقعوا في الإثم. وكثيرون يلتمسون المشورة من مساجدهم وأئمّتهم، الذين يفتقرون بدورهم إلى الخبرة في هذا الميدان. وهكذا يُترك المرضى المسلمون وذووهم وحدهم أمام أسئلة الأطباء: هل يُتّبع العلاج التلطيفي؟ هل يُوقف التنفّس الاصطناعي؟ وفي معظم الأحوال يُختار نهج العلاج المكثّف الأقصى تجنّبًا لأيّ خطأ.

من هنا تحديدًا أودّ التعمّق في العلاج التلطيفي، وعرض المرض والموت من منظور إسلامي في هذا السياق.

كما أودّ بيان الأساسيات المتعلّقة بمسألة جواز وقف العلاج أو الامتناع عنه، متطرّقًا بإيجاز إلى مسألة إيقاف التنفّس الاصطناعي وشروطه.

المفهوم الإسلامي للمرض

أستهلّ بالمفهوم الإسلامي للمرض. والمبدأ الجوهري هنا أنّ المرض والشفاء كلاهما بيد الله سبحانه وتعالى وحده.

الطبّ والأطباء والأجهزة التقنية المتوفّرة اليوم ليست سوى أسباب يسّرها الله سبحانه وتعالى لتحقيق الشفاء؛ فالطبّ ليس مصدر الشفاء قطّ، وإن شاع هذا الاعتقاد في العالم الغربي. ومن المنظور الروحي، يتحتّم على المسلم في مرضه ألّا يضمر سخطًا ولا يغرق في حزن عميق، بل يتحلّى بالصبر والثبات.

عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ

صحيح مسلم 2999

تحمّل المرض يفتح باب الأجر العظيم ومحو الذنوب. ولذلك ينبغي تذكير المسلم في المرض، خفيفًا كان أم شديدًا، بأنّ أجرًا عظيمًا ينتظره إن صبر واحتسب.

مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا

صحيح البخاري 5648

ولا يجوز سبّ المرض أو لعنه؛ فقد يحمل في طيّاته خيرًا وفيرًا للمؤمن. جاء في الحديث:

لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ

صحيح مسلم 2575

الموت والإسلام

الموت في المجتمعات الغربية من المحرّمات الاجتماعية، غائب عن الحياة اليومية. ورغم أنّه جزء حتمي من الحياة، فإنّه لا يحتلّ حيّزًا في وعي كثير من الناس، ولا سيما في الغرب. حتى إنّ خبر وفاة شخص ما كثيرًا ما يُقابَل بردّ فعل: «ما الذي أُخطئ فيه؟ أيّ طبيب قصّر؟» فيبدو الموت لدى كثيرين أمرًا مستبعدًا واستثنائيًّا.

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

سورة آل عمران 3:185

من هذه الكلمات الربّانية ينبعث سعي المسلم إلى مرضاة الله وحُسن الخاتمة. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما حُسن الخاتمة؟ الموت في حقيقته جسرٌ إلى الآخرة، حيث يتحدّد المصير الأبدي. وهذا أمرٌ بيد الله سبحانه وتعالى وحده.

لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي

صحيح البخاري 5671

يتمنّى المسلم ظروفًا ترفع رجاءه في مغفرة الله ودخول الجنة. من تلك الظروف: أن يُقبض بعد عمل صالح أو في حالة طاعة لله، ونطق الشهادة، وبراءة الذمّة من الديون، وعدم تفويت صلوات، وأداء التوبة، وأن يُحقّق إن أمكن أحد أنواع الشهادة. فالمسلم حين يدنو أجله وهو يعاني مرضًا عضالًا يسعى إلى تعميق صلته بالله سبحانه وتعالى واستغفاره، ويرغب في تكثير عمل الخير ارتقاءً في مرضاة الله.

العلاج التلطيفي

حين يرقد مسلمٌ مصاب بمرض عضال مع أفق حياتي محدود في مستشفى ألماني، كثيرًا ما يفاجئه الأطباء بخيار العلاج التلطيفي. والتحدّي الأوّل للمريض وأسرته هو استيعاب ماهية هذا العلاج ومعرفة ما إذا كان جائزًا في الإسلام أصلًا.

لذا أبدأ بتوضيح ماهية العلاج التلطيفي.

الطبّ التلطيفي تخصّص طبّي يُعنى بالأشخاص المصابين بأمراض خطيرة. وهدفه ليس علاج المرض بعلاج عدواني تكثر آثاره الجانبية بالدرجة الأولى، بل تقديم الدعم النفسي للمريض وتخفيف أعراضه لتحسين جودة حياته. هنا تكون احتياجات المريض في الصدارة لا التشخيص. ويمكن توفير العلاج التلطيفي في أيّ عمر وأيّ مرحلة من مراحل المرض، بل إلى جانب العلاج الشفائي.

يستوجب العلاج التلطيفي تغطية مجالات متعدّدة، فإلى جانب السيطرة على الألم يُعالَج ما يعانيه المريض من مشكلات روحية واجتماعية ونفسية. ويتطلّب ذلك فريقًا متعدّد التخصّصات يضمّ أطباء وممرّضين متخصّصين وأخصّائيّين اجتماعيّين ومرشدين روحيّين.

لنعد الآن إلى المسلم المصاب بمرض عضال، كسرطان الرئة النقيلي مثلًا. يُخيَّر بين جولة أخرى من العلاج الكيميائي العدواني أو الانتقال إلى العلاج التلطيفي، بينما يرى الأطباء أنّ فرص الشفاء أو التحسّن عبر الكيميائي ضئيلة. في هذا الموقف يختار كثير من المسلمين العلاج العدواني ظنًّا منهم بأنّ الإسلام يوجب بذل كلّ ممكن. كما يُطرح عليهم ما إذا كانوا يرغبون في الإنعاش القلبي حال توقّف القلب، وما إذا كانوا يريدون التنفّس الاصطناعي في العناية المركّزة. وهنا أيضًا يختار كثيرون ذلك ظنًّا بأنّ الإسلام يلزمهم به.

المنظور الإسلامي: متى يكون العلاج واجبًا؟

لذا أودّ مناقشة ما إذا كان للمريض رخصة شرعية في رفض العلاج، وفي أيّ ظروف يجوز ذلك. كما سأبحث متى يصبح العلاج الطبّي واجبًا.

الأصل العامّ أنّه ليس واجبًا في الإسلام على المسلم أن يتداوى. وثمّة أحاديث يُستدلّ بها على ذلك.

يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

صحيح مسلم 218

إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ

صحيح البخاري 5652

يدلّ هذان الحديثان على جواز رفض العلاج الطبّي. وفي الوقت ذاته حثّ النبي ﷺ على التماس العلاج بالرقية.

الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ

صحيح البخاري 5681

في الحديث الثاني خيّر النبي ﷺ المرأة بين الصبر على صرعها مقابل الجنّة، والدعاء لها بالشفاء. وبعد استقراء النصوص الشرعية وتحليلها وفق الأصول الفقهية، يتبيّن أنّ التداوي مستحبّ لا واجب.

غير أنّه يجب مراعاة حالات لا يستطيع فيها المريض التعبير عن موافقته أو رفضه، وسيهلك دون تدخّل، بينما يتوفّر علاج كفيل بإنقاذ حياته. في هذه الحال يلتزم الأطباء بإجراء العلاج.

من الأمثلة التي يسوقها العلماء: رجل يختنق فتنسدّ مجاريه الهوائية، وبإعطائه سائلًا تتحرّر. ومنها التقيّؤ بعد ابتلاع مادة سامّة خطأً، وإعطاء السوائل الوريدية بعد الجفاف.

لذلك لا يصحّ التعميم بأنّ كلّ علاج طبّي مستحبّ فحسب؛ فذلك اختزال للإذن العامّ بترك التداوي على جميع الحالات دون تمييز.

مبادئ الشريعة في موضوع العلاج

يُستنبط الحكم بوجه عامّ من المبادئ الشرعية التالية:

  1. حفظ النفس
  2. تخفيف المعاناة
  3. عدم وجوب العلاج ابتداءً
  4. الاعتماد على أوصاف ظاهرة منضبطة لتحقيق الاتّساق
  5. البناء على غلبة الظنّ مع مراعاة مقاصد الشريعة
  6. لا ضرر ولا ضرار، والموازنة بين المصالح والمفاسد
  7. عدم إكراه المريض على العلاج كأصل عامّ
  8. مراعاة الأولويّات

قرّر العلماء أنّ العلاج يصبح واجبًا إذا كانت الحياة مهدّدة أو يُخشى ضرر وظيفي جسيم، وتوفّر علاج يُرجّح بنسبة تتجاوز 50% تحقيق الشفاء بإذن الله. كما يكون العلاج محرَّمًا شرعًا إذا كان الأرجح (>50%) أن يُلحق بالجسم ضررًا وظيفيًّا بالغًا أو يتسبّب في الوفاة. وإذا غلبت مفسدة العلاج على مصلحته لم يكن واجبًا كذلك.

أمثلة عملية

المثال الأوّل: احتشاء عضلة القلب. يعاني المريض من ألم في الصدر، ويُظهر تخطيط القلب ارتفاعًا في مقطع ST، فيُشخَّص احتشاء عضلة القلب مع خطر حادّ على الحياة. ويتوفّر خيار علاجي عبر القسطرة القلبية مع زراعة دعامة بنسبة نجاح تفوق 50%. في هذه الحال يجب على المسلم إجراء العلاج؛ لأنّ الحياة مهدّدة تهديدًا حادًّا، ويتوفّر علاج راجح النجاح دون ضرر جوهري، فالنفع يغلب بوضوح.

المثال الثاني: مريض بسرطان رئوي نقيلي. يعرض الأطباء علاجًا كيميائيًّا باحتمال نجاح أقلّ من 50% لإطالة الحياة حتى عام. هنا لا يكون العلاج الكيميائي واجبًا لانخفاض احتمال النجاح عن 50%، وإن كانت الحياة مهدّدة. ويدخل عنصرٌ إضافي وهو ضرر العلاج ذاته؛ فالكيميائي العدواني لا يقتصر أثره على الخلايا المريضة بل يمتدّ إلى خلايا الجسم السليمة، وكثيرًا ما يُوقف بسبب آثاره الجانبية الحادّة.

في ضوء ذلك، يجوز للمسلم أن يعدل عن العلاج الكيميائي ويلجأ إلى التلطيفي. وبذلك يُخفَّف ألمه قدر المستطاع، ويُتاح له تعميق صلته بالله سبحانه وتعالى وتحسين حالته الروحية، ليكون الموت بإذن الله حُسنَ خاتمة.

الإنعاش القلبي الرئوي

أنتقل الآن إلى الإنعاش القلبي الرئوي والمنظور الإسلامي حول جواز رفض المسلم الإنعاشَ مسبقًا. عند توقّف القلب يمكن إجراء الإنعاش بالضغط على الصدر. ويتوقّف نجاحه على عدّة عوامل:

  1. الحالة الصحية العامّة للمريض
  2. سنّ المريض
  3. سرعة بدء الإنعاش بعد التوقّف
  4. ما إذا كان المنعش شخصًا عاديًّا أم كادرًا طبيًّا متخصّصًا

تبلغ نسبة نجاح الإنعاش نحو 12%، ويُعزى ذلك جزئيًّا إلى أنّ أكثر من 70% من محاولات الإنعاش تجري في المنازل على يد أشخاص عاديّين. ويُفترض أنّ الإنعاش بأيدي كوادر طبّية في المستشفى أعلى فعالية بكثير. ولمّا كان توقّف القلب دون علاج يُفضي شبه حتمًا إلى الوفاة الفورية، فإنّ الرأي الموافق للشريعة هو التزام الأطباء بإجراء الإنعاش مع ما يتطلّبه من تدابير لاحقة. ويُستثنى من ذلك الحالات التي يكون فيها الإنعاش عديم الجدوى طبّيًّا على الأرجح، ويُحدَّد ذلك بحسب حالة المريض الصحية. فمرضى السرطان النقيلي أو المسنّون ذوو الأمراض المزمنة ومرض الشرايين التاجية المعروف هم ممّن قد يرى الأطباء الامتناع عن إنعاشهم.

أمّا الممارسة السائدة في ألمانيا بسؤال كلّ مريض عمّا إذا كان يرغب في الامتناع المسبق عن الإنعاش، فهي من المنظور الإسلامي غير جائزة؛ إذ لا يملك المريض صلاحية اتّخاذ هذا القرار. وإنّما يقع على عاتق الأطباء أن يُقرّروا بناءً على الحالة الصحية وظروف التوقّف ما إذا كان الإنعاش واجبًا أم لا.

التنفّس الاصطناعي

وأخيرًا، نتناول مسألة وقف التنفّس الاصطناعي أو الامتناع عنه. إذا كانت الحياة مهدّدة تهديدًا حادًّا، وكان التنفّس الاصطناعي يُرجّح بنسبة 50% على الأقلّ إنقاذ حياة المريض، فإنّ بدأه أو استمراره واجبٌ شرعًا. وإذا انخفض احتمال النجاح عن 50%، جاز شرعًا وقفه أو الامتناع عنه.

يُتيح الطبّ الحديث إبقاء المرضى على التنفّس الاصطناعي لفترات مطوّلة. وفي حالات التلف الدماغي غير القابل للعكس أو الموت الدماغي، يدور جدل واسع في الغرب حول جواز وقف التنفّس. ويتحدّث كثيرون عن «حياة لا تستحقّ أن تُعاش». كما أنّه وفق الرأي الطبّي الراهن لا أمل في تحسّن أو تعافٍ. هذا الوضع البالغ التعقيد يضع المسلمين أمام مأزق لاتّخاذ قرار شرعي. يرى العلماء أنّ المريض المحتاج إلى تنفّس اصطناعي دائم لم يعد مكلَّفًا؛ فهو في غيبوبة مستمرّة، عاجز عن أداء واجباته الشرعية، لا يقوى على فعل أو حركة. وحياته أشبه بحالة بين الحياة والموت منها بالحياة ذاتها.

من هنا يرى بعض العلماء جواز وقف التنفّس الاصطناعي إذا كان المريض في حالة إنباتية مستديمة بلا أمل في التحسّن، بشرط تأكيد الأطباء لذلك. عندئذٍ يكون الوقف جائزًا، أي مباحًا؛ فمن جهة يغدو التنفّس الاصطناعي عديم الجدوى، ومن جهة أخرى يفوق الضرر الناجم عن مضاعفاته النفعَ المرجوّ.

الخلاصة

ألخّص هذه المسائل المعقّدة تيسيرًا للفهم. العلاج الطبّي واجب إذا كانت الحياة مهدّدة تهديدًا حادًّا وكان الإجراء العلاجي يُرجّح إنقاذ حياة المريض بنسبة 50% فأكثر. وقرار الامتناع عن الإنعاش يخصّ الأطباء وحدهم، ويجوز إذا كان الإنعاش عديم الجدوى طبّيًّا على الأرجح. ووقف التنفّس الاصطناعي جائز إذا كان المريض متوفّى دماغيًّا أو في حالة إنباتية مستديمة.

التعامل مع الموت

ختامًا، يتحتّم علينا نحن المسلمين أن نُجيب عن هذه المسائل الحسّاسة مسترشدين بالإسلام، ساعين دومًا إلى مرضاة الله. في نهاية الحياة يحتاج المريض وأسرته إلى دعم كبير ورعاية روحية. فالمساعدة العملية في التمريض وتسكين الألم، والسند الروحي، ضرورات لتخفيف هذا الابتلاء العظيم على الجميع. وللأسف، فإنّ الأجواء المعقّمة في المستشفيات مع محدودية تعاطف بعض العاملين في الرعاية الصحية لا تمنح أيّ مريض، ولا سيما المسلم، ما يكفي من الدعم الروحي والتعويض. والمأمول أن يتوفّر مستقبلًا مرشدون روحيّون مسلمون يسندون الأسر في المواقف المأساوية بالتوجيه الروحي والإرشاد الشرعي لاتّخاذ قرارات العلاج المصيرية.

وفي ختام مقالي أتطرّق إلى التعامل مع الموت. حين يتوفّى المريض أو أحد الأقارب، لا بدّ للطبيب والأقارب على حدٍّ سواء من تقديم العزاء والمواساة وفق هدي الإسلام.

ينبغي للطبيب أن يواسي ذاكرًا أنّا جميعًا لله وأنّ الموت حقّ لا مفرّ منه. وأن يدعو للمسلم المتوفّى بالمغفرة. وكذلك الأقارب، إلّا أنّ الأولوية لديهم هي التحلّي بالصبر. ويصعب حصر كلّ جوانب التعزية والمواساة، لكنّني أختم بكلمات النبي ﷺ في رسالته إلى صاحبه معاذ بن جبل حين فُجع بابنه، فقد جسّدت كلماته جوهر المواساة وملأته حياةً.

«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمّد رسول الله إلى معاذ بن جبل. السلام عليك! أمّا بعد، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. ثمّ أسأل الله أن يعظّم لكم الأجر على هذا المصاب، وأن يمنحكم الصبر والثبات، ويوفّقنا وإيّاكم لشكره على نعمه. فإنّ أنفسنا وأحبابنا أمانات من الله أودعنا إيّاها إلى حين. أمتعنا بها ما شاء واستردّها حين شاء. وفي مقابل ذلك يجزيكم بثواب عظيم من فضله ورحمته وهدايته، بشرط الصبر لوجهه وابتغاء ثواب الآخرة. لذا أوصيكم بالصبر. لا تدعوا النواح يُذهب أجوركم ويوقعكم في الندم. وتيقّنوا أنّه ما من بكاء أعاد ميتًا قطّ، ولا أزال حزنًا وغمًّا. وأمر الله نافذٌ أبدًا، بل قد نَفَذ!»

ما رُوي من رسالة النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل

مشاركة: